فصل: الفصل السابع في أن سكنى البدو لا تكون إلا للقبائل أهل العصبية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» (نسخة منقحة)



.الفصل السابع في أن سكنى البدو لا تكون إلا للقبائل أهل العصبية:

اعلم أن الله سبحانه ركب في طبائع البشر الخير والشر كما قال تعالى {وهديناه النجدين} وقال {فألهمها فجورها وتقواها} والشر أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذبه الاقتداء بالدين وعلى ذلك الجم الغفير إلا من وفقه الله ومن أخلاق البشر فيهم الظلم والعدوان بعض على بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه فقل امتدت يده إلى أخذه إلا أن يصده وازع كما قال:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ** ذا عفة فلعلة لا يظلم

فأما المدن والأمصار فعدوان بعضهم على بعض تدفعه الحكام والدولة بما قبضوا على أيدي من تحتهم من الكافة أن يمتد بعضهم على بعض أو يمدو عليه فهم مكبوحون بحكمة القهر والسلطان عن التظالم إلا إذا كان من الحاكم بنفسه وأما العدوان الذي من خالي المدينة فيدفعه سياج الأسوار عند الغفلة أو الغرة ليلا أو العجز عن المقاومة نهارا أو يدفعه ازدياد الحامية من أعوان الدولة عند الاستعداد والمقاومة وأما أحياء البدو فيزع بعضهم عن بعض مشائخهم وكبراؤهم بما وفر في نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة وأما حللهم فإنما يذود عنها من خارج حامية الحي من أنجادهم وفتيانهم المعروفين بالشجاعة فيهم ولا يصدق دفاعهم وذيادهم إلا إذا كانوا عصبية وأهل نسب واحد لأنهم بذلك تشتد شوكتهم ويخشى جانبهم إذ نعرة كل أحد على نسبه وعصبيته أهم وما جعل الله في قلوب عباده من الشفقة والنعرة على ذوي أرحامهم وقرباهم موجودة في الطبائع البشرية وبها يكون التعاضد والتناصر وتعظم رهبة العدو لهم واعتبر ذلك فيما حكاة القرآن عن اخوة يوسف عليه السلام حين قالوا لأبيه لئن أكلة الذئب ونحن عصبة إلا إذا لخاسرون والمعنى أنه لا يتوهم العدوان على أحد مع وجود العصبة له وأما المتفردون في أنسابهم فقل أن تصيب أحدا منهم نعرة على صاحبه فإذا أظلم الجو بالشر يوم الحرب تسلل كل واحد منهم يبغي النجاة لنفسه خيفة واستيحاشا من التخاذل فلا يقدرون من أجل ذلك على سكنى القفر لما أنهم حينئذ طعمة لمن يلتهمهم من الأمم سواهم وإذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه من نبؤة أو إقامة ملك أو دعوة إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء ولا بد في القتال من العصبية كما ذكرناه آنفا فاتخذه إماما تقتدي به فيما نورده عليك بعد والله الموفق للصواب.

.الفصل الثامن في أن العصبية إنما تكون من الالتحام بالنسب أو ما في معناه:

وذلك أن صلة الرحم طبيعي في البشر إلا في الأقل ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبا جدا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها ويبقى منها شهر فتحمل على النصرة لذري نسبه بالأمر المشهور منه فرارا من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه ومن هذا الباب الولاء والحلف إذ نعرة كل أحد على أهل ولائه وحلفه للإلفة التي تلحق النفس من اهتضام جارها أوقريبها أو نسيبها بوجه من وجوه النسب وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء مثل لحمة النسب أو قريبا منها ومن هذا تفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم» بمعنى أن النسب إنما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتى تقع المناصرة والنعرة وما فوق ذلك مستغنى عنه إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له ونفعه إنما هو في هذه الوصلة والالتحام فإذا كان ظاهرا واضحا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه وإذا كان إنما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانا ومن أعمال اللهو المنهي عنه ومن هذا الاعتبار معنى قولهم النسب علم لا ينفع وجهالة لا تضر بمعنى أن النسب إذا خرج عن الوضوح وصار من قبيل العلوم ذهبت فائدة الوهم فيه عن النفس وانتفعت النعرة التي تحمل عليها العصبية فلا منفعة فيه حينئذ والله سبحانه وتعالى أعلم.